شبهة إخراج الأشاعرة من أهل السنة والجماعة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
ادّعاء طائفة معاصرة احتكار لقب «أهل السنة والجماعة» لها وحدها، وتبديع سائر الفرق الإسلامية كالأشاعرة والماتريدية والصوفية والشيعة والمرجئة والقدارية، زاعمة أن ٩٠٪ من الأمة الإسلامية عبر التاريخ ليسوا أهل سنة.
مصدر الشبهة: الوهابية السلفية في نجد والحرمينقال الله تعالى:(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). فالآية صريحة في أن اتباع «سبيل المؤمنين» هو المنهج المرضي عند الله، ومن خالفهم فقد وَلَّه الله ما تولّى وجعل مصيره جهنم.
ف «سبيل المؤمنين» هو السواد الأعظم من الأمة الذين تمسكوا بالكتاب والسنة وفهم السلف، لا فرقة قليلة انفردت عن الأمة وادّعت العلم والهداية دون غيرها. فكيف يُقال إن سواد الأمة أشاعرة وماتريدية على مرّ ألف سنة ثم جاءت فرقة متأخرة لتقول إنهم جميعاً مبتدعة خارجون عن السنة؟
من زعم أن الأشاعرة خالفوا سبيل المؤمنين بالتوسل بالكلام فعليه أن يُبيّن متى انفصل السواد الأعظم عن السنة؟ فالأشاعرة هم الذين أعادوا الناس إلى التمسك بالكتاب والسنة بعد أن أضلّتهم المعتزلة والجهمية، فكيف يُقال إنهم خالفوا سبيل المؤمنين؟ والأكابر من علماء الأمة شهدوا لهم بالسنة لا بالبدعة.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تُجتمَع أمَّتي على ضلالة). وفي رواية: (تَخْلُفُ أمَّتي على سُنَّتي). هذه أحاديث صحيحة ثابتة في كتب الحديث تدل على أن الأمة بأسرها لن تجتمع على ضلالة، وأن الغالب فيها هو الصواب والهدى.
كما قال ﷺ: (عليكم بالسواد الأعظم، فإن يد الله مع الجماعة). والسواد الأعظم هو الغالبية العظمى من المسلمين لا أقلية قليلة منفصلة. فمن احتكر لقب أهل السنة لطائفته فقد خالف حديث النبي ﷺ صراحة، لأن طائفته ليست السواد الأعظم ولا تمثل الأمة بأسرها.
هذا فهم مردود لأن النبي ﷺ فسّر السواد الأعظم بأنه الجماعة الكبيرة من المسلمين، وقال: «يد الله مع الجماعة». والجماعة هنا ليسوا فرقة صغيرة منفصلة، بل هم الغالبية العظمى من المسلمين الذين يتبعون الكتاب والسنة. فمن خرج عن هذه الجماعة وادّعى أنه وحده أهل السنة فقد خرج عن حديث النبي ﷺ.
لا يمكن لأحد أن يُنكر أن السواد الأعظم من علماء الأمة الإسلامية عبر ألف سنة كانوا أشاعرة وماتريدية. ففي ميدان التفسير: الإمام القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن»، والرازي في «مفاتيح الغيب»، والقاضي البيضاوي في «أنوار التنزيل». وفي ميدان الحديث: الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، وابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»، والسيوطي في «الجامع الصغير». وفي ميدان الفقه: الإمام النووي والغزالي والنووي والغزالي.
وفي ميدان القتال والجهاد: صلاح الدين الأيوبي محرر القدس كان أشعرياً، ومحمد الفاتح قاهر القسطنطينية كان ماتريدياً. فكيف يُقال إن هؤلاء ليسوا أهل سنة وهم الذين حفظوا الدين والدنيا للأمة؟
هذا الزعم مردود بالتواريخ والكتب المعروفة. فالقرطبي ذكر في تفسيره أنه ينتمي إلى المذهب الأشعري، والنووي شرح مذهب الأشاعرة في كتابه «العقيدة النحوية»، وابن حجر نفسه وصف بالأشعري في مصادر التراجم. فهؤلاء أعلام معروفون بالانتماء المنهجي لا يمكن إنكاره.
من أوضح ما يردّ على هذه الشبهة هو التساؤل العقلي المنطقي: كيف يعقل أن يحفظ الله دينه الإسلام عبر أربعة عشر قرناً على يد رجال ضالين مبتدعين في أشاعرة وماتريدية وصوفية، ثم تأتي طائفة متأخرة في نجد قبيل القرن التاسع عشر لتدعي أنها وحدها الفرقة الناجية وأن كل هؤلاء الأكابر في النار؟
هذا ادعاء ينقض أصل دين الإسلام ويتهم النبي ﷺ بأنه لم يحفظ أمته، بل جعلها تتبع ضلالاً ألف سنة ثم جاءت فرقة متأخرة تنقذها. وهذا محال في العقل والشرع معاً، فضلاً عن أنه يُخلي الأرض من أهل الحق تماماً إلا قليلاً لا يُعرفون ولا يُسمع بهم.
من قال هذا فقد خلط بين مسائل فرعية ومسائل أصولية. فالأشاعرة لم يبدعوا في أصول الدين بل ردّوا على المبتدعين بالمنطق والبرهان، واتبعوا النصوص في مسائل العقيدة الكبرى. أمّا من وصفهم بالبدعة فهم الذين ينفون الصفات ويجعلون القرآن مخلوقاً، وهؤلاء هم المبتدعون في الحقيقة لا الأشاعرة.