جاري تحميل حكمة اليوم...

براءة الإمام أبي الحسن الأشعري من الرجوع عن مذهبه

الرد على دعوى تراجع الإمام عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي قررها في سائر كتبه

العقيدة والتنزيه 8 دقائق متوسط دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْتَسِبِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ أَنَّ الإِمَامَ أَبَا الحَسَنِ الأَشْعَرِيَّ (المتوفى 324هـ) — رَضِيَ اللهُ عَنْهُ — مَرَّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ عَقَدِيَّةٍ، وَأَنَّهُ رَجَعَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ عَنْ مَذْهَبِهِ الأَشْعَرِيِّ وَاعْتَنَقَ عَقِيدَةَ الحَنَابِلَةِ أَوِ المُجَسِّمَةِ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِكِتَابِهِ «الإِبَانَةِ عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ» الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَتَبَهُ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ تَخَلِّياً عَنْ عِلْمِ الكَلَامِ وَرُجُوعاً إِلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَرْفِيًّا.

— تُروى هذه الشبهة بكثرة في مصادر التيار المخالف للمذهب الأشعري
نُثْبِتُ فِي هَذَا المَقَالِ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ أَنَّ الإِمَامَ الأَشْعَرِيَّ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ مَذْهَبِهِ قَطُّ، وَأَنَّ كِتَابَ «الإِبَانَةِ» لَا يَحْتَوِي عَلَى عَقِيدَةٍ مُخَالِفَةٍ لِمَا فِي سَائِرِ كُتُبِهِ، وَأَنَّ دَعْوَى الرُّجُوعِ قَائِمَةٌ عَلَى تَحْرِيفٍ تَارِيخِيٍّ وَفَهْمٍ سَقِيمٍ لِلنُّصُوصِ.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الإمام الأشعري استقر على مذهبه الأخير الذي دوَّنه في كتبه الكبرى (اللمع، الإبانة، مقالات الإسلاميين) ولم يتراجع عنه
  • كتاب «الإبانة» في نُسَخِه الموثوقة لا يحتوي على تجسيم ولا تشبيه، بل يثبت الصفات بلا تكييف ولا تحديد
  • تلاميذ الإمام وتلاميذ تلاميذهم (كالباقلاني والجويني والغزالي) استمرّوا على مذهبه دون أن يُنبِّههم أحد لتراجُعِه
  • ألف الحافظ ابن عساكر كتاباً كاملاً بعنوان «تبيين كذب المفتري» أثبت فيه بالأسانيد الصحيحة ثبات الإمام على عقيدته

١ تفكيك الدعوى التاريخية: من قال إنه رجع؟

أصل هذه الشبهة يعود إلى بعض المتأخرين من الحنابلة (كابن تيمية وابن القيم والمتأثرين بهم) الذين حاولوا إثبات أن الأشعري رجع عن مذهبه ليجعلوا منه حجةً لهم. والحقيقة أن هذه الدعوى تقوم على ثلاثة أدلة واهية:

الدليل الأول: أن الإمام قال في آخر حياته «لا تقولوا بما قاله الأشعري». وهذا خبر لا يصح عنه سنداً، ولم يروُه إلا من لا يُحتج به.

الدليل الثاني: أن كتاب «الإبانة» يخالف كتبه السابقة. وسنرى في الوجه التالي أن هذا غير صحيح.

الدليل الثالث: أن تلاميذه كتموا رجوعه! وهذا اتهام لأئمة الأمة بالخيانة العلمية وهو ما لا يقبله عاقل.

قال الحافظ ابن عساكر (571هـ) في «تبيين كذب المفتري»: «وقد تتبعتُ تصانيف الشيخ أبي الحسن - رحمه الله - فوجدته فيها على طريقة واحدة لم يختلف قوله فيها في شيء من أصول الدين، وقد أثبتنا ذلك بأسانيد صحاح عن الثقات». — ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص ٤٢
قد يُقال: إن كتاب الإبانة نفسه هو دليل الرجوع، وفيه نصوص تدل على التجسيم

الجواب: أن كتاب الإبانة موجود بنسخ متعددة، وقد أثبت المحققون (كالدكتور عبد الله الجديع والدكتور محمد زاهد الكوثري) أن بعض النسخ تعرضت للتحريف والإضافة من قبل خصوم الأشعري. وأما النسخ الموثوقة المحققة فلا تحتوي على ما يخالف أصوله في «اللمع» و«مقالات الإسلاميين»

٢ تحليل كتاب «الإبانة» بين النسخ المحرفة والموثوقة

كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» هو من أهم كتب الإمام الأشعري، والاستدلال به على رجوعه عن مذهبه لا يصح للأسباب التالية:

أولاً: كتاب الإبانة يثبت الصفات لله تعالى كما تليق بجلاله (استوى، نزل، جاء) دون تكييف أو تشبيه أو تجسيم، وهذا هو عين ما يقوله الأشعري في سائر كتبه.

ثانياً: النسخ المنتشرة لكتاب الإبانة والتي تحتوي على عبارات تشبيهية قد أثبت المحققون أنها نُسَخٌ مُحَرَّفَةٌ أُضِيفَتْ إِلَيْهَا زِيَادَاتٌ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ المُتَعَصِّبِينَ الحَنَابِلَةِ فِي العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ.

قال الإمام تاج الدين السبكي (771هـ) في «طبقات الشافعية الكبرى»: «وكتاب الإبانة للشيخ أبي الحسن قد بحثنا عنه وعن نسخه، فوجدنا أكثر النسخ محرفة، والنسخة المعتمدة التي بخط أصحابه لا تشتمل على شيء من تلك الألفاظ الموهمة». — تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ٣٥٦

ثالثاً: لو كان الإمام قد تراجع عن مذهبه في آخر حياته لَذاع هذا الخبر واشتهر كما اشتهر مذهبه، ولما احتاج أحد إلى تأليف كتاب في القرن السادس (ابن عساكر) لإثبات أن الإمام لم يرجع!

٣ استمرار المذهب الأشعري: حجة التواتر العملي

من أقوى الأدلة العقلية على عدم رجوع الإمام عن مذهبه هو استمرار آلاف العلماء على منهجه بعد وفاته مباشرة، ولو كان قد رجع لعلموا ذلك ولتابعوه على رجوعه.

تتلمذ على الإمام الأشعري مباشرة كبار أئمة الإسلام مثل:

أبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) أكبر شارح للمذهب الأشعري في جيله، وألف كتاب «التمهيد» على طريقة شيخه.
ابن فورك (ت 406هـ) ألف كتاب «مشكل الحديث» على طريقة الأشعري في تأويل المتشابه.
أبو إسحاق الإسفراييني (ت 418هـ) شيخ خراسان في وقته، وناشر مذهب الأشعري في المشرق.
إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) شيخ الحرمين، وألف «الشامل» و«الإرشاد» في أصول الدين على مذهب الأشعري.
حجة الإسلام الغزالي (ت 505هـ) أشهر علماء الإسلام، ومذهبه العقدي هو المذهب الأشعري كما في «الاقتصاد في الاعتقاد».
قال الحافظ ابن عساكر: «ولو كان الأمر كما زعموا من رجوعه لتابعه على ذلك أصحابه وتلامذته ولحفظ ذلك عنه واشتهر، فلما لم يذكره أحد منهم مع كثرة عددهم وتوفر دواعيهم علمنا بطلان ما نسب إليه». — ابن عساكر، تبيين كذب المفتري

٤ الدليل العقلي: استحالة الرجوع عقلاً ونقلاً

كَيْفَ يَعْقِلُ أَنْ يَرْجِعَ الإِمَامُ الأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يَبْقَى مِئَاتُ الآلَافِ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَتَلَامِيذِ تَلَامِيذِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ المَزْعُومِ بُطْلَانُهُ دُونَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ أَحَدٌ لِهَذَا التَّرَاجُعِ؟

هَلْ يُعْقَلُ أَنَّ أَئِمَّةَ الأُمَّةِ وَحُفَّاظَهَا كَانُوا فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَرَاجُعِ إِمَامِهِمْ، بَيْنَمَا اكْتَشَفَهُ مُتَأَخِّرُو نَجْدٍ وَأَتْبَاعُهُمْ بَعْدَ سِتَّةِ قُرُونٍ؟ العَقْلُ يَرْفُضُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ المُتَهَافِتَةَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً.

قد يُقال: إن تلاميذ الإمام أخفوا رجوعَه خوفاً على مذهبهم!

وهذا اتهام لأئمة الإسلام بالخيانة العلمية والتآمر على الدين، وهو اتهام باطل لا يقبله عاقل يعرف مكانة هؤلاء الأئمة وورعهم وتقواهم. فهل يُعقل أن يجتمع كل هؤلاء الأئمة (وهم مختلفون في الفروع) على كتمان الحقيقة في الأصول؟ وأي فائدة لهم في الإبقاء على مذهب زعموا أن إمامهم تراجع عنه؟

الموقف الصحيح والخلاصة
  • الإمام أبو الحسن الأشعري استقر على مذهبه الذي دوَّنه في كتبه كلها، ولم يثبت عنه أي رجوع
  • كتاب «الإبانة» لا يحتوي على عقيدة مخالفة لسائر كتبه في نُسَخِه الموثوقة
  • دعوى الرجوع لا تستند إلى أي دليل تاريخي صحيح، بل إلى تحريفات وإضافات في نسخ متأخرة
  • إجماع أئمة المسلمين على مذهب الأشعري عبر أربعة عشر قرناً هو أكبر دليل على صحة هذا المذهب وأنه امتداد لعقيدة السلف
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«إن دعوى رجوع الإمام الأشعري عن مذهبه دعوى لا تثبت تاريخياً، وقد ردها الحافظ ابن عساكر في كتاب مستقل. والنسخ المحرفة من الإبانة لا يُعتمد عليها، والإمام ثبت على مذهبه الذي تلقاه عنه آلاف التلاميذ عبر القرون. واسألهم: إذا كان قد رجع، فأين تلاميذه الذين نقلوا رجوعه؟ ولماذا استمر المذهب الأشعري ألف سنة؟
×