جاري تحميل حكمة اليوم...

أدلة وجود الله العقلية والنقلية

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

الرد على شبهات الإلحاد في وجود الخالق

العقيدة والتنزيه ٧ دقائق متوسط

عرض الشبهة

شبهات الإلحاد المعاصر التي تنكر وجود الخالق سبحانه وتعالى، وتزعم أن الكون نشأ صدفة عمياء أو نتيجة تطور مادي محض دون غاية ولا مُدبِّر، وأن نظرية الانفجار العظيم والاصطفاء الطبيعي تفسر كل شيء دون حاجة إلى قوة متعالية. هذه الشبهات تزعم أن الإيمان بالله مجرد أسطورة من اختراع الإنسان القديم لتفسير ما يجهله.

— تتلخص في فلسفات الملحدين الجدد كدوكينز وهيتشنز ودينيت
تقديم البراهين العقلية والنقلية القاطعة على وجود الله، وكشف التناقضات المنطقية في الإلحاد، وإثبات أن النظر في الكون لا يؤدي إلا إلى الإقرار بخالق حكيم عليم.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الآية القرآنية (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) تقدم برهاناً منطقياً حاسماً على وجود الخالق.
  • التفكر في الكون وأسراره هو هدي نبوي ثابت لإيقاظ فطرة التوحيد.
  • تمثيل أبي حنيفة بسفينة دجلة يوضح بالبداهة العقلية أن النظام لا يكون بلا ناظم.
  • دليل الضبط الدقيق يظهر استحالة أن تكون قوانين الكون قد نشأت صدفة.

١ الوجه الأول: البرهان القرآني القاطع (برهان الخلق والإيجاد)

القرآن الكريم يقدم أبلغ برهان عقلي على وجود الخالق في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). هذا البرهان المنطقي (الثلاثي) يرد على كل ملحد في كل زمان: الاحتمال الأول: أنهم خلقوا من غير خالق (من العدم) وهذا محال عقلاً، إذ العدم لا ينتج وجوداً. الاحتمال الثاني: أنهم خلقوا أنفسهم بأنفسهم، وهذا أشد استحالة، إذ يستدعي وجود الشيء قبل وجوده. فيتعين الاحتمال الثالث: أن لهم خالقاً أوجدهم من العدم، وهو الله سبحانه وتعالى.

هذا البرهان البسيط في ظاهره، العميق في مبناه، يكفي وحده لدحض كل نظريات الإلحاد المادي. فالملحد الذي يزعم أن المادة أزلية أو أن الكون خلق نفسه يقع في التناقض نفسه الذي تصده الآية. وقد استعمل المتكلمون المسلمون هذا البرهان وصاغوه في قواعد (حدوث الأجسام) و(إمكان العالم) التي هيمنت على الفلسفة الإسلامية لقرون.

قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) [الطور: ٣٥-٣٦] — سورة الطور، الآيتان ٣٥ و٣٦
إشكال: هذا الدليل مبني على القسمة الثنائية (من غير شيء / هم الخالقون) وليس ثلاثياً، ويمكن للملحد أن يقول: المادة أزلية لم تخلق!

الآية تشتمل على قسمة حصرية ثنائية يندرج تحتها كل الاحتمالات. نفي الحالتين يعني استحالة وجود الشيء من غير علة. وأما دعوى (أزلية المادة) فهي مصادرة على المطلوب، فقد أثبت العلم الحديث أن للكون بداية (نظرية الانفجار العظيم) وأن المادة لم تكن موجودة منذ الأزل. وحتى الفلاسفة الماديون المعاصرون يعترفون بأن المادة لم توجد بلا علة، والعلة لا تكون إلا قوة متعالية غير مادية.

٢ الوجه الثاني: التفكر في المخلوقات هدي نبوي

النبي ﷺ لم يكتفِ بالدعوة إلى التوحيد النظري، بل وجه الصحابة إلى التفكر في آيات الله الكونية كطريق لتعزيز اليقين. ففي الصحيحين كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال قال: (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام). وكان ﷺ يتأمل في خلق الليل والنهار وتعاقبهما، ويقول في دعائه: (اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء).

هذا التوجيه النبوي يفتح الباب أمام (البرهان الطبيعي) الذي يرى في كل ذرة من ذرات الكون دليلاً على الخالق. فالنظام البديع في السماء والأرض، وتعاقب الفصول، وانضباط حركة الكواكب، كلها آيات (علامات) على وجود الله لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

كان النبي ﷺ يقول: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى...) [متفق عليه] وقال ﷺ: (تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ) [رواه الطبراني] — صحيح البخاري ومسلم، المعجم الكبير للطبراني
إشكال: العلم الحديث يفسر الظواهر الطبيعية تفسيراً مادياً دون حاجة للخالق!

التفسير المادي للظواهر لا يلغي الخالق، بل يصف (كيف) تعمل الطبيعة، ولا يجيب عن سؤال (لماذا) هي موجودة أصلاً. قوانين الفيزياء تصف حركة الكواكب لكنها لا تفسر من وضع هذه القوانين. العلم يخبر عن (الآلية) والدين يخبر عن (الغاية والعلة الأولى). والملحد هو من يحول الوصف المادي إلى إنكار لما وراء المادة، وهذا قفز غير علمي من (الوصف) إلى (النفي).

٣ الوجه الثالث: برهان النظم عند أئمة الإسلام

علماء المسلمين لم يكتفوا بالنقل، بل استعملوا العقل في تقرير وجود الله، ووضعوا براهين عقلية محكمة لا تزال حجة على كل جيل. من أروعها ما روي عن الإمام أبي حنيفة النعمان حين سأله ملحد عن الدليل على وجود الخالق. لم يُجبْه الإمام بآية ولا حديث، بل ضرب له مثلاً حسياً بديعاً: السفينة في دجلة. فهذا المثل يقرر مبدأ (النظام يستلزم ناظماً) وهو من أرسخ البراهين العقلية.

ثم تطور هذا البرهان على أيدي المتكلمين كأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي حتى صار يُعرف بـ (برهان الإحكام والإتقان)، أو (برهان التمانع) المستنبط من الآية (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا). يقول المتكلمون: كل مشهد من مشاهد الكون يحكم الإتقان والإحكام، وهذا يقتضي فاعلاً حكيماً عالماً قادراً.

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: (لَو أَنَّ سَفِينَةً مَشحُونَةً بِالبَضَائِعِ فِي دِجلَةَ، تَذهَبُ وَتَجِيءُ وَتَرْسُو وَتُفَرِّغُ حُمُولَتَهَا بِلا مُلَّاحٍ، هَل يَعقِلُ هَذَا؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَكَيفَ بِهَذَا العَالَمِ الدَّقِيقِ بِلا صَانِعٍ مُدَبِّرٍ؟) — أوردها الحافظ الكنجي في كفاية الطالب
إشكال: تمثيل أبي حنيفة مبني على التشبيه، والتشبيه لا يقدم برهاناً يقينياً!

هذا التمثيل ليس مجرد تشبيه بل هو (قياس تمثيلي) غايته توضيح البداهة العقلية. وهو شبيه بما يفعله الفلاسفة اليوم في دليل (الضبط الدقيق) حين يشبهون الكون بساعة دقيقة لا بد لها من صانع. العقل البشري مجبول على أن النظام المحكم يدل على فاعل حكيم. فإذا كان هذا واضحاً في السفينة والمنزل والكتاب، فكيف به في الكون العجيب؟

٤ الوجه الرابع: دليل الضبط الدقيق (Fine-tuning) والعناية الإلهية

العلم الحديث في القرن العشرين كشف عن حقيقة مذهلة: الكون مضبوط بدقة رياضية لا يمكن تفسيرها بالصدفة. الثوابت الفيزيائية كالجاذبية والكتلة والقوى النووية مضبوطة بدقة متناهية بحيث لو اختلفت قيمة أي منها بمقدار ضئيل (واحد على تريليون) لاستحالت الحياة. مثلاً: لو كانت قوة الجاذبية أضعف قليلاً لانفجرت النجوم وانطفأت، ولو كانت أقوى قليلاً لانهارت على نفسها. هذه الموائمة الدقيقة لا يمكن أن تكون صدفة عمياء.

يقول الفيزيائي بول ديفيز: (الكون يبدو وكأنه صُمم خصيصاً لاستضافة الحياة). بل إن بعض الملحدين أنفسهم اضطروا لافتراض (أكوان متعددة) هرباً من دليل التصميم الذكي، وهذا افتراض فلسفي لا دليل عليه، وهو أقرب إلى الخرافة من العلم. العقل السليم يقضي بأن التصميم الدقيق يقتضي مصمماً حكيماً، والنظام البديع يقتضي ناظماً عليماً.

قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران: ١٩٠]، وأيضاً: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨] — سورة آل عمران، سورة النمل
إشكال: نظرية (الأكوان المتعددة) تفسر الضبط الدقيق دون حاجة لمصمم، فالكون الذي نعيش فيه هو واحد من أكوان لا حصر لها!

نظرية الأكوان المتعددة افتراض فلسفي غير قابل للإثبات أو الاختبار العلمي، وهي أقرب إلى (الإيمان) بالصدفة العمياء منها إلى العلم التجريبي. بل إنها تنتهك مبدأ (أوكام) في الاقتصاد التفسيري: لا تكثر الفروض بلا ضرورة. الافتراض الأبسط والأكثر منطقية هو وجود خالق واحد حكيم، كما دلت عليه كل البراهين العقلية والنقلية. والملحد هنا يلجأ للخيال العلمي هرباً من الحقيقة.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • البرهان القرآني في (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) يقدم حجة منطقية حاسمة على وجود الخالق.
  • النظام البديع في الكون والضبط الدقيق للثوابت الفيزيائية يثبت أن للكون خالقاً حكيماً عليماً.
  • أئمة الإسلام كأبي حنيفة والمتكلمين وضعوا براهين عقلية لا تزال صالحة لكل زمان.
  • الإلحاد المعاصر يعتمد على افتراضات غير علمية (كالأكوان المتعددة) ولا يقدم بديلاً متماسكاً.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
سألك الملحد: من خلق الكون؟ قل له: إما أن يكون الكون خُلق من العدم (محال)، أو خلق نفسه (محال)، فلا بد من خالق، وهذا هو البرهان القرآني. ثم اسأله: لو رأيت كتاباً مكتوباً بدقة هل يعقل أنه طُبع صدفة؟ فالكون أعظم نظاماً من أي كتاب. وأخيراً: اعلم أن العلم يخبرنا (كيف) يعمل الكون، أما (لماذا) هو موجود ومن أتى بقوانينه، فتلك أسئلة لا يجيب عنها إلا الإيمان بخالق.
×