الرد على مقولة (حدثني قلبي عن ربي)
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اعتبار مقولة بعض الصوفية (حدثني قلبي عن ربي) كفراً محضاً وادعاءً بالوحي وإسقاطاً للإسناد النبوي، والزعم بأن هذه المقولة تفتح باب الانفلات من الشريعة وتجعل القلب مصدراً للتشريع، وأن قائلها يدّعي لنفسه مرتبة النبوة.
— شبهة يروجها بعض المنتقدين للتصوف، تستند إلى ظاهر اللفظ دون فهم اصطلاح القومالقرآن لا يقتصر الهداية فيه على التلاوة والدرس، بل يفتح باباً للمدد الإلهي الخاص الذي يناله المجتهدون في مرضات الله. فقوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) يضع قاعدة ربانية: الجهاد في الله يستتبعه هداية خاصة من الله. وهذه الهداية ليست من باب الوحي، بل من باب الفتح والإلهام الذي يشرح به الله صدر عبده لفهم الحق والصواب.
ومن أعظم صور هذه الهداية الخاصة: الفرقان الذي وعد الله به المتقين (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)، والفهم الذي يمنحه الله لسليمان في القضاء (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، والعلم اللدني للخضر. كل هذه شواهد على أن الله يحدث عباده الصالحين بما يشاء من المعاني والحكم، وهذا هو (تحديث القلب) الذي عبر عنه القوم بقولهم: (حدثني قلبي عن ربي).
الهداية في القرآن ذات مراتب: هداية البيان (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، وهداية التوفيق، وهداية التنوير القلبي. فهداية البيان عامة للجميع، أما هداية الفرقان والفهم الخاص فهي منحة للمتقين والمجاهدين. وسليمان عليه السلام لم يؤت الفهم في القضية عن طريق الوحي بل عن طريق فتح إلهي في قلبه (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). وهذا ما عناه القوم بتحديث القلب.
النبي ﷺ لم يقتصر في تعليم الصحابة على التلقين الحرفي، بل راعى الإشراق القلبي كمنبع للمعرفة العملية في الشبهات. حديث وابصة بن معبد المشهور: أنه جاء النبي ﷺ يسأل عن البر والإثم، فقال له النبي ﷺ (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).
هذا الحديث يثبت أن للقلب المشرق بنور الإيمان قدرة على تمييز الحق من الباطل، وهذا هو عين (تحديث القلب) الذي عبر عنه الصوفية. فالقلب حين يتطهر من الشوائب ويضيء بنور التقوى يصبح محلاً للخطاب الإلهي والإلهام الرباني.
الفطرة السليمة هي نفسها القلب المشرق بنور الإيمان. وما قاله جمهور الصوفية هو أن الإلهام ليس خبراً غيبياً من السماء، بل هو صفاء الفطرة ونقاؤها بعد التزكية والجهاد، فينعكس على القلب نور المعرفة. وإذا كانت الفطرة السليمة عند غير المسلم تدرك بعض الحقائق الأخلاقية، فكيف بفطرة المؤمن المزكاة بالعبادة والمجتهدة في طاعة الله؟
لقد تصدى أئمة الصوفية المحققين للرد على من فهم هذه المقولة فهماً حرفياً خارجياً. فالإمام الشعراني في طبقاته الكبرى شرح العبارة شرحاً وافياً فقال: إن (حدثني قلبي عن ربي) تعبير عن (الإشراق القلبي)، وهو أن يفيض الله على قلب العبد فهماً صحيحاً لأمر من الأمور، لا عن طريق جبريل ولا عن طريق المَلَك، بل عن طريق الإلهام الذي هو سنة الله في أوليائه. وهو شبيه بقوله ﷺ (إن روح القدس نفث في روعي).
لأن لكل فن اصطلاحاته. العلماء يتحدثون عن (الاجتهاد) و(القياس) بعبارات قد توهم العوام أنهم يشرعون من عند أنفسهم، لكن العارف يعرف مرادهم. والصوفية لا يصرون على هذه العبارة بعينها، بل هي من باب التعبير عن المعاني الذوقية التي تضيق عنها العبارات. وقد عبر عنها غيرهم بما هو أغلظ، كقوله ﷺ: (إن روح القدس نفث في روعي). فالإنكار على اللفظ وليس على المعنى هو من الجمود الظاهري.
العلماء الربانيون فرقوا بين طريقين لتلقي المعرفة الدينية: الطريق الأول هو النقل (السماع من المشايخ والرواية بالأسانيد)، وهو عام لجميع العلماء. والطريق الثاني هو الإلهام (الفتح الرباني والفهم الخاص)، وهو خاص بأهل التزكية والصفاء. لكن كلا الطريقين مقيد بالكتاب والسنة، فالإلهام لا يشرع حكماً جديداً بل يكشف حكمة حكم شرعي، أو يرجح بين أقوال الفقهاء، أو يثبت صاحبَه في العلم.
(حدثني قلبي عن ربي) ليست بديلاً عن الإسناد النبوي ولا عن الوحي، بل هي مكملة له، تمنح العابد فهماً أعمق وأذوقاً للشريعة. والفارق بين الولي الذي يلهم والنبي الذي يوحى إليه هو أن الولي لا يثبت حكماً شرعياً جديداً بإلهامه، بل يكتشف حكمة الحكم الثابت، وهذا ما أجمع عليه أئمة الصوفية.
هذا خطر حقيقي، وقد حذر منه الصوفية أنفسهم أشد التحذير. لذا وضعوا ميزاناً دقيقاً لتمييز الإلهام الصادق من الكاذب: (١) موافقته للكتاب والسنة قطعاً، (٢) أن يكون صاحبه من أهل التقوى والصلاح، (٣) أن يكون مستقيماً في أحواله، (٤) أن لا يدعي به علماً جديداً يخالف الإجماع. فمن ادعى إلهاماً يخالف الشرع فهو ملبوس عليه، وليس من الصوفية في شيء، بل هو دجال.