جاري تحميل حكمة اليوم...

الرد على مقولة (حدثني قلبي عن ربي)

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

الرد على مقولة (حدثني قلبي عن ربي)

التصوف والسلوك ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

اعتبار مقولة بعض الصوفية (حدثني قلبي عن ربي) كفراً محضاً وادعاءً بالوحي وإسقاطاً للإسناد النبوي، والزعم بأن هذه المقولة تفتح باب الانفلات من الشريعة وتجعل القلب مصدراً للتشريع، وأن قائلها يدّعي لنفسه مرتبة النبوة.

— شبهة يروجها بعض المنتقدين للتصوف، تستند إلى ظاهر اللفظ دون فهم اصطلاح القوم
بيان المعنى الاصطلاحي لمقولة (حدثني قلبي عن ربي) عند الصوفية المحققين، وأنها تعبير عن الإلهام والفراسة لا عن الوحي، وأنها مقيدة بالكتاب والسنة بإجماع القوم.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • المقولة تعبير اصطلاحي صوفي عن (الإلهام والفراسة)، وليس عن الوحي أو نزول جبريل.
  • القرآن يثبت هداية خاصة للمجاهدين: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا).
  • حديث (استفت قلبك) دليل على إسناد الفهم الصائب لإشراق القلب.
  • الشعراني والجنيد والغزالي كلهم نصوا على أن هذه المقولة مقيدة بميزان الشريعة.

١ الوجه الأول: الهداية الربانية والتنوير القلبي في القرآن

القرآن لا يقتصر الهداية فيه على التلاوة والدرس، بل يفتح باباً للمدد الإلهي الخاص الذي يناله المجتهدون في مرضات الله. فقوله تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) يضع قاعدة ربانية: الجهاد في الله يستتبعه هداية خاصة من الله. وهذه الهداية ليست من باب الوحي، بل من باب الفتح والإلهام الذي يشرح به الله صدر عبده لفهم الحق والصواب.

ومن أعظم صور هذه الهداية الخاصة: الفرقان الذي وعد الله به المتقين (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)، والفهم الذي يمنحه الله لسليمان في القضاء (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، والعلم اللدني للخضر. كل هذه شواهد على أن الله يحدث عباده الصالحين بما يشاء من المعاني والحكم، وهذا هو (تحديث القلب) الذي عبر عنه القوم بقولهم: (حدثني قلبي عن ربي).

قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت: ٦٩]، وقال: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال: ٢٩] — سورة العنكبوت، سورة الأنفال
إشكال: الهداية في هذه الآيات هداية البيان والدلالة، وليست هداية إلهام وتحديث!

الهداية في القرآن ذات مراتب: هداية البيان (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، وهداية التوفيق، وهداية التنوير القلبي. فهداية البيان عامة للجميع، أما هداية الفرقان والفهم الخاص فهي منحة للمتقين والمجاهدين. وسليمان عليه السلام لم يؤت الفهم في القضية عن طريق الوحي بل عن طريق فتح إلهي في قلبه (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). وهذا ما عناه القوم بتحديث القلب.

٢ الوجه الثاني: إسناد النبي ﷺ الفهم الصائب للقلب المشرق

النبي ﷺ لم يقتصر في تعليم الصحابة على التلقين الحرفي، بل راعى الإشراق القلبي كمنبع للمعرفة العملية في الشبهات. حديث وابصة بن معبد المشهور: أنه جاء النبي ﷺ يسأل عن البر والإثم، فقال له النبي ﷺ (استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في الصدر وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك).

هذا الحديث يثبت أن للقلب المشرق بنور الإيمان قدرة على تمييز الحق من الباطل، وهذا هو عين (تحديث القلب) الذي عبر عنه الصوفية. فالقلب حين يتطهر من الشوائب ويضيء بنور التقوى يصبح محلاً للخطاب الإلهي والإلهام الرباني.

قال رسول الله ﷺ: (استَفتِ قَلبَكَ، البِرُّ مَا اطمَأَنَّت إِلَيهِ النَّفسُ وَاِطمَأَنَّ إِلَيهِ القَلبُ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ فِي الصَّدرِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدرِ وَإِن أَفتَاكَ النَّاسُ وَأَفتَوكَ) [رواه أحمد والدارمي] — مسند الإمام أحمد (١٧٩٩٥)
إشكال: الحديث يتحدث عن الفطرة السليمة وليس عن الإلهام الغيبي!

الفطرة السليمة هي نفسها القلب المشرق بنور الإيمان. وما قاله جمهور الصوفية هو أن الإلهام ليس خبراً غيبياً من السماء، بل هو صفاء الفطرة ونقاؤها بعد التزكية والجهاد، فينعكس على القلب نور المعرفة. وإذا كانت الفطرة السليمة عند غير المسلم تدرك بعض الحقائق الأخلاقية، فكيف بفطرة المؤمن المزكاة بالعبادة والمجتهدة في طاعة الله؟

٣ الوجه الثالث: بيان معنى المقولة عند علماء السلف

لقد تصدى أئمة الصوفية المحققين للرد على من فهم هذه المقولة فهماً حرفياً خارجياً. فالإمام الشعراني في طبقاته الكبرى شرح العبارة شرحاً وافياً فقال: إن (حدثني قلبي عن ربي) تعبير عن (الإشراق القلبي)، وهو أن يفيض الله على قلب العبد فهماً صحيحاً لأمر من الأمور، لا عن طريق جبريل ولا عن طريق المَلَك، بل عن طريق الإلهام الذي هو سنة الله في أوليائه. وهو شبيه بقوله ﷺ (إن روح القدس نفث في روعي).

قال الإمام عبد الوهاب الشعراني: (ليس مَعنَى قَولِهِم حَدَّثَنِي قَلبِي عَن رَبِّي نُزُولَ جِبريلَ عَلَيهِ السَّلامُ، بَل مَعنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُشرِقُ عَلَى قَلبِ العَبدِ فَهمَ الصَّوَابِ بِفَضلِهِ وَكَرَمِهِ بِحَيثُ يَصِيرُ كَأَنَّ قَلبَهُ يُخبِرُهُ عَنِ اللهِ) — الطبقات الكبرى، للشعراني
إشكال: لماذا لم يعبر الصوفية بعبارة أصح وأوضح بدلاً من هذه العبارة الموهمة؟

لأن لكل فن اصطلاحاته. العلماء يتحدثون عن (الاجتهاد) و(القياس) بعبارات قد توهم العوام أنهم يشرعون من عند أنفسهم، لكن العارف يعرف مرادهم. والصوفية لا يصرون على هذه العبارة بعينها، بل هي من باب التعبير عن المعاني الذوقية التي تضيق عنها العبارات. وقد عبر عنها غيرهم بما هو أغلظ، كقوله ﷺ: (إن روح القدس نفث في روعي). فالإنكار على اللفظ وليس على المعنى هو من الجمود الظاهري.

٤ الوجه الرابع: الفرق بين النقل والإلهام عند المحققين

العلماء الربانيون فرقوا بين طريقين لتلقي المعرفة الدينية: الطريق الأول هو النقل (السماع من المشايخ والرواية بالأسانيد)، وهو عام لجميع العلماء. والطريق الثاني هو الإلهام (الفتح الرباني والفهم الخاص)، وهو خاص بأهل التزكية والصفاء. لكن كلا الطريقين مقيد بالكتاب والسنة، فالإلهام لا يشرع حكماً جديداً بل يكشف حكمة حكم شرعي، أو يرجح بين أقوال الفقهاء، أو يثبت صاحبَه في العلم.

(حدثني قلبي عن ربي) ليست بديلاً عن الإسناد النبوي ولا عن الوحي، بل هي مكملة له، تمنح العابد فهماً أعمق وأذوقاً للشريعة. والفارق بين الولي الذي يلهم والنبي الذي يوحى إليه هو أن الولي لا يثبت حكماً شرعياً جديداً بإلهامه، بل يكتشف حكمة الحكم الثابت، وهذا ما أجمع عليه أئمة الصوفية.

قال أبو حامد الغزالي: (الإِلهَامُ وَالإِشرَاقُ لَيسَا بِشَرعٍ، بَل هُمَا كَاشِفَانِ عَن حَقِيقَةِ الشَّرعِ، فَالإِلْهَامُ لِلْعَارِفِ كَالنَّظَرِ لِلْمُجْتَهِدِ، يُدرِكُ بِهِ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ لَكِن لَا يَضَعُ بِهِ حُكماً) — المنقذ من الضلال، بتصرف
إشكال: هذه المقولة قد تؤدي إلى أن يدعيها كل من هب ودب لتمرير أهوائه!

هذا خطر حقيقي، وقد حذر منه الصوفية أنفسهم أشد التحذير. لذا وضعوا ميزاناً دقيقاً لتمييز الإلهام الصادق من الكاذب: (١) موافقته للكتاب والسنة قطعاً، (٢) أن يكون صاحبه من أهل التقوى والصلاح، (٣) أن يكون مستقيماً في أحواله، (٤) أن لا يدعي به علماً جديداً يخالف الإجماع. فمن ادعى إلهاماً يخالف الشرع فهو ملبوس عليه، وليس من الصوفية في شيء، بل هو دجال.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • مقولة (حدثني قلبي عن ربي) عند الصوفية تعبير عن الإلهام والفراسة، لا عن الوحي أو نزول جبريل.
  • القرآن يثبت هداية خاصة للمجاهدين والمتقين، وهي سنة إلهية مستمرة.
  • الشعراني والغزالي والجنيد فسروا المقولة بأنها إشراق فهم الصواب لا غير.
  • من ادعى الإلهام ليشرع به حكماً جديداً أو يخالف الكتاب والسنة فليس صوفياً بل دجالاً ملبوساً عليه.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
المقولة تعبير اصطلاحي عن الإلهام والفراسة، وليس عن الوحي، وقد فسرها الشعراني بأنها إشراق فهم الصواب في القلب بفضل الله. الآيات (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وحديث (استفت قلبك) يثبتان أن للقلب المزكى قدرة على إدراك الحق. والصوفية المحققين يرفضون كل إلهام يخالف الكتاب والسنة، ويعدونه من الشيطان لا من الله.
×