جاري تحميل حكمة اليوم...

براءة فضلاء الحنابلة من عقائد التجسيم

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

براءة فضلاء الحنابلة من عقائد التجسيم

العقيدة والتنزيه ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

ادعاء أن مذهب الأشاعرة هو خروج عن مذهب السلف وأن العقيدة الصحيحة هي عقيدة الحنابلة فقط دون غيرهم، مع نسبة التجسيم والحد لكل من ينتسب إلى المذهب الحنبلي، وزعم أن القائلين بالتنزيه على طريقة الأشاعرة قد خالفوا السلف الصالح.

قطاف الغامدي
بيان أن فضلاء الحنابلة وأئمتهم على طريق التنزيه والتقديس، وأن الإمام أحمد نفسه بريء من عقائد التجسيم والحد، وأن المذهب الحنبلي في أصوله الكبار متوافق مع مذهب السواد الأعظم من الأمة في باب الصفات.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • الإمام أحمد بن حنبل كان على مذهب السلف في التفويض وإمرار الصفات كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه.
  • كبار أئمة الحنابلة كابن الجوزي وابن عقيل والقاضي أبي يعلى ألفوا كتباً في التنزيه ودفع شبه التشبيه.
  • أئمة المذاهب الأربعة وأئمة الحديث كالنووي وابن حجر كلهم على مذهب التنزيه الذي لا يخالف مذهب الأشاعرة في جوهره.
  • نسبة التجسيم للإمام أحمد بهتان عظيم يناقض نصوصه الصريحة في نفي الكيفية والتشبيه.

١ الأدلة من القرآن الكريم: آيات التنزيه والتعظيم

يقول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١]. هذه الآية المحكمة هي الفارقة بين التوحيد والتشبيه، وقد جعلها الإمام أحمد بن حنبل عمدة في باب الصفات، حيث كان يكررها كلما سئل عن آيات الصفات. فنفي المماثلة عن الله تعالى هو أساس التنزيه الذي قامت عليه عقيدة السواد الأعظم.

قال الإمام أحمد في رواية حنبل بن إسحاق: «لا تشبه الله بشيء من خلقه، ولا تشبه خلقه بالله، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر». والقرآن الكريم حافل بآيات التنزيه التي ترد على المجسمة، كقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) [الإخلاص: ٤]، وقوله: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافات: ١٨٠].

قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: «الله تعالى لا تشبهه شيء من خلقه، ولا يشبه هو شيئاً منهم، وليس له صفة مخلوقة». وهذا قول جميع الأئمة الأربعة الذين يجمعون على نفي التشبيه والتعطيل معاً. — الفقه الأكبر لأبي حنيفة
شبهة: إن إثبات الصفات على ظاهرها هو عين مذهب السلف!

هذه المغالطة نشأت من الخلط بين (الظاهر اللغوي) و(الظاهر الحسي). السلف كانوا يقرون ألفاظ الصفات ويمرونها مع نفي الكيفية والتشبيه. قال الإمام أحمد: «نؤمن بها ونصدق بها، لا كيف ولا معنى» (رواه الخلال في السنة). فإمرار اللفظ مع نفي الكيف هو عين مذهب الأشاعرة لا ضده.

٢ الأدلة من السنة: إجماع الأمة ووجوب اتباع السواد الأعظم

قال النبي ﷺ: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (رواه الترمذي وابن ماجه). وقد انعقد إجماع الأمة عبر القرون على مذهب التنزيه الذي صاغه الإمام أبو الحسن الأشعري والأئمة من بعده. فمن زعم أن الأمة بأسرها ضلت وأن الحق في عقيدة خاصة بفئة واحدة فقد خرج عن هذا الحديث النبوي الصحيح.

وقال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» (رواه ابن ماجه وصححه السيوطي). والسواد الأعظم هم جماهير الأمة من المفسرين والفقهاء والمحدثين المتكلمين الذين درجوا على منهج التنزيه والتأويل التفصيلي لبعض النصوص التي يوهم ظاهرها التشبيه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: «ومذهب السلف إمرارها كما جاءت مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد». وقال النووي في شرح مسلم: «مذهب السلف أن نؤمن بمعنى الحديث ونكل علمه إلى الله تعالى مع اعتقاد أن الله منزه عن صفات المخلوقين». — فتح الباري ١٣/٤٠٦، شرح النووي على مسلم ٥/٢٤
شبهة: السواد الأعظم هم الحنابلة وأهل الحديث لا الأشاعرة!

هذا تحكم في مفهوم (السواد الأعظم) لم يقله أحد من العلماء المحققين. أئمة المذاهب الأربعة وجماهير الفقهاء والمحدثين كالنووي وابن حجر والعراقي وابن خزيمة الحنبلي والقاضي عياض كلهم على التنزيه. فمن هم السواد الأعظم الحقيقي؟ إنهم جمهور علماء الإسلام عبر القرون، لا طائفة محدودة في عصر متأخر.

٣ أقوال أئمة الحنابلة وغيرهم في التنزيه

يكفي أن نذكر أن الإمام أبا حنيفة النعمان قال في وصيته: «لا نصف الله بصفات المخلوقين، ولا نقول إنه على العرش استقر قبل خلق العرش». والإمام مالك بن أنس قال حين سئل عن كيفية الاستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». والإمام الشافعي قال: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله». والإمام أحمد بن حنبل نفسه قال: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا نتجاوز القرآن والحديث».

أما أئمة الحنابلة من بعده: فالإمام ابن الجوزي الحنبلي (٥٩٧هـ) ألف كتابه الشهير «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» وفيه يقول: «اعلموا أن الله ليس بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا محدود». والإمام ابن عقيل الحنبلي (٥١٣هـ) قال: «من قال إن الله في جهة فقد افترى». والإمام القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي (٤٥٨هـ) له كتاب «إبطال التأويلات» الذي سار فيه على منهج التفويض.

قال الإمام ابن الجوزي: «كم من مسكين قرأ حديث النزول فظن أن الله يتحرك وينتقل، تعالى الله عن ذلك! إن النزول صفة فعل لا صفة ذات، ومعناه نزول رحمته وأمره وملائكته». — دفع شبه التشبيه، ص ١٠٥
شبهة: ابن الجوزي وابن عقيل خالفا مذهب الحنابلة واتبعا الأشاعرة!

هذه مغالطة تاريخية. ابن الجوزي وابن عقيل هما من كبار أئمة الحنابلة الذين يُعتمد على قولهم في المذهب. فلو كان قولهم خروجاً عن المذهب، لكان المذهب الحنبلي اليوم هو مذهب المجسمة الذين كفرهم الأئمة. والحقيقة أن المذهب الحنبلي في أصوله الكبار هو مذهب تنزيه وتقديس، والنزعة التجسيمية إنما دخلته من متأخري الحنابلة الذين تأثروا ببعض كتب الكرامية والمشبهة.

٤ الدليل العقلي: منهج الإمام أحمد بين الإثبات والتنزيه

قال الإمام أحمد في رواية حرب الكرماني: «لا ننكر أن يكون الله من فوق أو تحت، أو على العرش أو غير ذلك، إن الله ليس كمثله شيء، لا يُشبه خلقه، ولا يخلو منه مكان، ولا يحويه مكان». لاحظ أن الإمام أحمد أطلق (فوق) و(تحت) معاً ليعبر عن مطلق العلو لا عن جهة معينة، ثم ضبط ذلك بقوله «لا يحويه مكان». وهذا هو عين ما يقوله الأشاعرة: إن العلو علو مطلق لا علو مكاني جهوي.

فلو كان الإمام أحمد يعتقد أن الله جسم في جهة لما أطلق (تحت) أصلاً. لكنه أطلق العبارتين معاً دلالة على أن مراده العلو المعنوي الذي لا يُدرك بالحواس. وهذه الدقة في التعبير هي التي حمل عليها الأشاعرة كلام الإمام أحمد حين أولوا الفوقية بعلو الشأن والقدر والجلال لا بعلو المكان والجهة.

قال الإمام أبو الحسن الأشعري: «إن لله وجهاً بلا كيف، ويدين بلا كيف، واستواء بلا كيف، ونقول إنه على العرش استوى على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده لا استقرار ولا مماسة». — الإبانة عن أصول الديانة، ص ٣٢
شبهة: الإمام أحمد قال بظاهر الصفات ولم يؤول!

هذه دعوى تحتاج إلى تحرير. الإمام أحمد كان يمتنع عن الخوض في التأويل التفصيلي ويقول في كل صفة: «نؤمن بها كما جاءت ولا نؤولها». وهذا التفويض الإجمالي لا ينافي التأويل التفصيلي عند من يقول به من أئمة السلف. بل إن بعض أئمة الحنابلة كالقاضي أبي يعلى ألف في التأويل التفصيلي لبعض الصفات. فالمسألة خلافية بين السلف أنفسهم، لا بين السلف والأشاعرة.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • فضلاء الحنابلة وأئمتهم على منهج التنزيه والتقديس، لا على منهج التجسيم والحد.
  • الإمام أحمد بن حنبل بريء من عقائد المجسمة والكرامية والحشوية الذين نسبوا إليه ما ليس من مذهبه.
  • المذهب الحنبلي في أصوله الكبيرة متوافق مع مذهب الأشاعرة في باب الصفات من حيث الإثبات مع التنزيه.
  • الخلاف بين الحنابلة والأشاعرة إنما هو في الصفات الخبرية فقط، أما الصفات الذاتية فمتفق عليها بين الفريقين.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«الإمام أحمد بن حنبل كان إمام أهل السنة في التنزيه، وقد قال: "لا يوصف الله بصفات المخلوقين". وابن الجوزي وابن عقيل من كبار الحنابلة ألفوا كتباً في التنزيه وردوا على المجسمة. فادعاء أن المذهب الحنبلي كله على التجسيم بهتان يأباه نصوص الأئمة وتاريخ المذهب.»
×