جاري تحميل حكمة اليوم...

شبهة الاستدلال بحديث الجارية لإثبات المكان

شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.

شبهة الاستدلال بحديث الجارية لإثبات المكان

العقيدة والتنزيه ٥ دقائق متوسط

عرض الشبهة

استخدام حديث الجارية (أين الله؟ قالت: في السماء) لإثبات أن الله سبحانه في السماء حقيقة مكانية، ومن ينفي ذلك ينكر الحديث النبوي ويخالف السلف.

مأخوذ من استدلالات المجسمة والحنابلة الجدد
بيان أن حديث الجارية يُحمل على علو المكانة والرفعة لا المكان الحسي، كما هو منهج السلف وشيخ الإسلام في شرحه، وأن إثبات المكان الحسي يتناقض مع المعية العامّة وغيرها أحاديث الصفات.
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • القرآن أثبت معية الله لأينما كنا: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)، وهذا ينفي المعنى المكاني الحرفي للسماء.
  • الجارية أُجابت على السؤال إشارة إلى علو المكانة والرفعة لا المكان الحسي، فهي أعجمية أُريد امتحان إيمانها لا عقليتها.
  • الإمام النووي شرح هذا الحديث وقال بوضوح: معناه في العلو والجلال والسلطان لا في المكان الحسي.
  • إثبات المكان الحسي لله يُوقع في تناقض ظاهر مع معية الله الواردة في القرآن والسنة.

١ أدلة القرآن على نفي المكان الحسي

ثبت في القرآن الكريم معية الله لأينما كان العبد؛ قال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)، فهذه معية عامة شاملة لكل مكان وزمان. ثم قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فثبت علوّ على العرش. والجمع بين الدليلين يفيد أن علوّ الله على العرش ليس علوّ مكان حسي محدود، بل هو علوّ شأن ورفعة وسلطان.

كما قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، فكرسيه أوسع من السماوات والأرض، فكيف يكون الله مقيّداً بالسماء من كرسيه أوسع منها؟ هذا يدلّ على أن الاستواء والعلوّ معنى معنوي يليق بكمال الله، لا حسي مادي.

(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) و(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) — الآيتان معاً تدلّان على أن علوّ الله على العرش ليس علوّ مكان حسي مادي. — سورة الحديد، والبقرة
احتمال الاعتراض: المعية بالعلم لا بالذات

هذا القول مردود؛ فقد ثبت في حديث الجارية (معيَّ بعلمي) عند مسلم، لكن هذا لا يُلغي المعية الذاتية الواردة في القرآن؛ فالآية تقول (وهو معكم أينما كنتم) بسياق التوكيد على حفظ الله ورعايته، وهذا أعم من العلم. والسلف لم يقيّدوا المعية بالعلم فقط بل أثبتوها على وجهها.

٢ فهم حديث الجارية عند أهل السنة

حديث الجارية من أحاديث الصفات التي وردت في سياق امتحان الجارية في معرفة ربها؛ فقد سألها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أين الله؟) فقالت: (في السماء)، فقال: (من أنا؟) فقالت: (أنت رسول الله)، فقال: (أعتقوها فهي حرة). والجارية هنا أُجابت على القياس الذي تفهمه العرب؛ فالسماء عندهم رمز للعلو والرفعة والجاه لا المكان الحسي المادي.

والأظهر عند كبار العلماء أن الجارية أرادت الإشارة إلى علوّ المكانة والرفعة لا المكان الحسي؛ فقد قالت (في السماء) أي في العلو والملكوت، لا في مكان مادي محدود. وهذا موافق لفهم السلف للسماء بأنها جهة العلو لا أنها محطة لله تعالى.

حديث: (أين الله؟ قالت: في السماء) — و(من أنا؟ قالت: أنت رسول الله) — السؤال كان عن الإله الذي هو خالق السماء والأرض، والجارية فهمت المعنى بفطرتها السليمة ولم تفهم المعنى المكاني الحسي. — صحيح البخاري ومسلم
احتمال الاعتراض: الجارية أجابتك بناءً على ظاهر اللفظ

هذا صحيح من جهة الظاهر، لكن ظاهر اللفظ عند العرب لم يكن يعني المكان الحسي كما يفهمه المتأخّلون؛ فالسماء في الاستعمال العربي القديم ترمز للعلو والرفعة والعظمة، وهذا هو المعنى الذي أرادته الجارية وأقرّه النبي ﷺ. والأدلة القرآنية تؤيد هذا المعنى لا المكانية الحسية.

٣ شرح الإمام النووي وغيره لحديث الجارية

شرح الإمام النووي رحمه الله حديث الجارية في شرحه على صحيح مسلم فقال بوضوح: معناه في العلو والجلال والسلطان لا في المكان. فالنووي من كبار شيوخ السنة الماتريدية أشار إلى أن معنى (في السماء) هو علوّ الشأن والجاه والسلطان لا المكان الحسي الذي يُناسب الأجسام المحدودة.

وكذلك قال إمام الحرمين الجويني إن الاستواء والعلوّ في حديث الجارية يُحمل على العلو المعنوي والرفعة الربانية. بل إن ابن تيمية نفسه اعترف في مواضع كثيرة بأن (في السماء) لا تعني المكانية الحسية المحضة، لكنه اختلف مع السلف في تفصيلات أخرى.

الإمام النووي في شرح مسلم: (المراد بالسماء هنا العلو والجلال والسلطان لا المكان المخصوص)، وهذا تأويل سلفي يتفق مع مقاصد النصوص كلها. — شرح النووي على صحيح مسلم
احتمال الاعتراض: النووي حنبلي والماتريدي لا يختلفان

النووي ماتريدي المذهب كما هو معلوم عند أهل الأثر، وقوله هذا يدل على أن الماتريدة يتفقون مع الأشاعرة في نفي المكانية الحسية. والحنابلة الأصلاء كابن عبد البر وابن قدامة يتفقون معهم في أن السماء هنا تعني العلو المعنوي لا المكان.

٤ الدليل العقلي على استحالة المكانية الحسية

إثبات المكان الحسي لله يُوقع في مسائل عقدية خطيرة؛ فالسماء مخلوقة والمخلوق حادث والله قديم، فكيف يحلّ القديم في الحادث؟ الله كان قبل خلق السماء وهو الآن على ما عليه كان، غني عن العالمين والمكان والزمان.

كما أن القول بالمكانية الحسية يستلزم أن يكون الله محصوراً في جهة محددة، وهذا يتناقض مع قول تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي)، فالله ينفي الرؤية في الدنيا دلالة على أنه ليس جسماً يُرى بالعين في مكان مادي.

حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) — لو كان الله في السماء بمكان حسي لكان القيام أقرب من السجود، لكن المقربة هنا روحانية تتعلق بالدعاء والذكر لا بالمسافة المكانية. — صحيح مسلم
احتمال الاعتراض: الله قادر على أن يرى في المكان كما يشاء

القدرة الإلهية لا تُقاس على القدرة البشرية؛ فالله قادر على كل شيء، لكن الإيمان بالقدرة لا يعني الإثبات بالكيفية. فنحن لا ننفي قدرة الله، بل نقول إنّ المكانية الحسية صفة أجسام لا صفات الإله، وصفاته تعالى كلها صفات كمال ونعمة وعظمة لا صفات حد ومادة.

الموقف الصحيح والخلاصة
  • حديث الجارية يُحمل على علوّ المكانة والرفعة لا المكان الحسي كما نصّ عليه الإمام النووي وغيره.
  • القرآن أثبت معية الله لأينما كنا: (وهو معكم أينما كنتم)، وهذا ينفي المكانية الحسية المادية.
  • السماء عند العرب تعني العلو والرفعة لا المكان المادي المحدد.
  • إثبات المكان الحسي لله يستلزم التناقض مع نفي الرؤية في الدنيا والمعية العامّة.
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
الجارية أجابتك (في السماء) و (أنت رسول الله)، فالسماء هنا رمز للعلو والرفعة لا المكان الحسي. القرآن يقول (وهو معكم أينما كنتم)، فلو كان في مكان حسي لتناقض مع هذه المعية. الإمام النووي نفسه قال إن المعنى في العلو والجلال والسلطان لا في المكان.
×