الرد على شبهة تحريم المسبحة (السُّبْحَة)
هل المسبحة بدعة؟ وهل يصح الإنكار على من يستعين بها على ذكر الله؟
هل المسبحة بدعة؟ وهل يصح الإنكار على من يستعين بها على ذكر الله؟
يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالمُسْلِمِينَ عَامَّةً أَنَّ السُّبْحَةَ (المَسْبَحَةَ) بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي الإِسْلَامِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ التَّسْبِيحَ كَانَ يُحْصَى بِالأَصَابِعِ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ الخَرَزِ المَنْظُومِ فِي الخَيْطِ هُوَ مِنَ البِدَعِ المُحْدَثَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِغَيْرِ المُسْلِمِينَ.
— تنتشر هذه الشبهة في خطب وفتاوى بعض المنتسبين للسلفية المعاصرةالقاعدة الفقهية التي يغفل عنها كثير من المنكرين: «الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ، وَالأَصْلُ فِي العَادَاتِ الإِبَاحَةُ». السبحة في حقيقتها ليست عبادة قائمة بذاتها، بل هي أداة مادية (خَرَزٌ مَنْظُومٌ) يُستعان بها على ضبط العدد في الذكر والتسبيح.
فالذكر هو العبادة، والسبحة وسيلة معينة عليه. وإذا كانت الوسيلة مباحة في أصلها (والخرز المنظوم مباح) وأعانت على طاعة، فإنها تأخذ حكم الإباحة بل والاستحباب إن كانت أدعى إلى الإكثار من الذكر.
ثبت في السنة النبوية ما يدل على مشروعية عد التسبيح بوسائل مادية، وأهمها:
حديث جويرية أم المؤمنين: دخل عليها النبي ﷺ وهي تسبح بِنَوًى (أي بذرات من النوى تعقد بها العد) في حجرها، فقال لها: «لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن». فأقرها النبي ﷺ على فعلها ولم ينكر عليها استعمال النوى للعد.
فالنبي ﷺ رآها تستعمل النوى للعد ولم يُنكر عليها، بل أثنى على ذكرها. والنوى حصى صغير، والسبحة هي تطوير لنفس الفكرة: حصى منظومة في خيط لسهولة الحمل والاستعمال.
الجواب: الفرق بينهما فرق في الشكل والتطوير لا في الجوهر والحقيقة. فالنوى والحصى حبوب صغيرة، والسبحة حبوب منظومة في خيط. لو كان النوى مباحاً فما بال الحبوب المنظومة تكون محرمة؟ العبرة بالمقصود وهو ضبط العدد، وليس بمادة الخرز ولا بنظامه. وقد نص الإمام النووي على أن السبحة جائزة بل ومستحبة لما فيها من الإعانة على الذكر (الأذكار، ص ٢٠).
لم يقتصر استعمال وسائل عد التسبيح على زمن النبي ﷺ، بل استمر ذلك في عهد الصحابة والتابعين:
أبو هريرة رضي الله عنه: كان له خيط فيه ألفا عقدة، لا ينام حتى يسبح به (رواه الحاكم في المستدرك وصححه الذهبي).
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان يعد التسبيح بالحصى في مسجده (ابن أبي شيبة في المصنف).
أبو سعيد الخدري: كان يعد التكبير والتسبيح بالحصى (ابن أبي شيبة).
أئمة المذاهب وعلماء المسلمين:
المنطق الشرعي السليم يقرر أن:
أولاً: السبحة من قبيل الوسائل وليست من قبيل العبادات التوقيفية. والوسائل مباحة في الأصل ما لم تكن محرمة بذاتها (كآلات اللهو المحرم مثلاً)، والسبحة ليست محرمة في ذاتها.
ثانياً: السبحة تحقق مقصداً شرعياً عظيماً هو الإكثار من ذكر الله، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا). فكل ما أعان على هذا المأمور به فهو مطلوب أو مباح.
ثالثاً: السبحة تفيد في ضبط العدد لمن يخشى السهو أو الغلط، خاصة لكبار السن والمشتت الذهن، وهذا عين الرحمة والتيسير في الدين.
الجواب: العد بالأصابع أفضل بلا شك، ولكنه لا يمنع جواز السبحة، فالفضيلة لا تنفي الإباحة. وأما شبهة التشبه فغير واردة، لأن السبحة استخدمها المسلمون قبل غيرهم، ولأن مجرد مشاركة غير المسلمين في وسيلة مادية لا يُعتبر تشبهاً محرماً ما لم تقترن نية التشبه. وإلا لكان ركوب السيارة واستعمال الكهرباء تشبهاً! وقد استعمل الصحابة النوى والحصى، والسبحة تطوير لهما وليست اختراعاً وافداً.