جاري تحميل حكمة اليوم...

هل التصوف بدعة مستحدثة دخيلة على الإسلام؟

التصوف ليس ديناً جديداً ولا بدعة غريبة، بل هو روح الإسلام وجوهره: التزكية والإحسان.

التصوف والممارسات ٧ دقائق مبتدئ دفع الشبهات

عرض الشبهة

يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ المُنْكِرِينَ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَنَّ التَّصَوُّفَ دِينٌ جَدِيدٌ أَوْ بِدْعَةٌ دَخِيلَةٌ عَلَى الإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ مُسْتَمَدٌّ مِنَ الفَلْسَفَةِ الهِنْدِيَّةِ أَوْ الفَارِسِيَّةِ، وَأَنَّ هَذَا الاسْمَ (الصُّوفِيُّ) لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ إِذاً بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

— تنتشر عند من يخلط بين التصوف السني الأصيل والشعوذات الدخيلة
نُثْبِتُ بِالأَدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ أَنَّ التَّصَوُّفَ السُّنِّيَّ هُوَ عَيْنُ الإِحْسَانِ وَالتَّزْكِيَةِ، وَأَنَّ جَوْهَرَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ اسْمَهُ اصْطِلَاحٌ لِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ كَسَائِرِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ (النَّحْوِ، الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، أُصُولِ الفِقْهِ).
خلاصة سريعة (للعُجَال)
  • التصوف في جوهره هو مقام الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه»
  • حقيقة التصوف هي تزكية النفس وتطهير القلب، وهما أصلان قرآنيان قطعيان
  • أهل الصفة هم النموذج الأول للصوفية: زهد، انقطاع، عبادة، فقر اختياري
  • أسماء العلوم كلها مستحدثة (النحو، أصول الفقه، الجرح والتعديل) ولم ينكرها أحد
  • أئمة الإسلام كابن خلدون والغزالي والجنيد نصوا على أن التصوف علم شرعي أصيل

١ التصوف هو علم التزكية والإحسان

التصوف ليس اسماً لطائفة، بل هو علم من علوم الشريعة: كما أن علم الفقه يدرس أعمال الجوارح الظاهرة، وعلم العقيدة يدرس أصول الإيمان، كذلك علم التصوف يدرس أعمال القلوب الباطنة: الإخلاص، التوكل، المحبة، الخشوع، الزهد، الصبر، الشكر.

فالتصوف السني هو علم تزكية النفس وإصلاح القلب، وهذا العلم له جذوره المباشرة في القرآن والسنة. فالقرآن مليء بالآيات التي تأمر بتزكية النفس: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس: ٩].

قال الإمام أبو القاسم الجنيد: «مَذْهَبُنَا مُقَيَّدٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ». — نقله القشيري في الرسالة القشيرية

٢ الأدلة من القرآن: التزكية والإحسان قلب الدين

التزكية مقصد من مقاصد البعثة: قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً يُزَكِّيهِمْ) [آل عمران: ١٦٤]. فالتزكية — جوهر التصوف — هي أحد أهداف الرسالة المحمدية ذاتها.

مقام الإحسان: قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: ٦٠]. والإحسان هو ركن الدين الثالث بعد الإسلام والإيمان، كما في حديث جبريل: «أن تعبد الله كأنك تراه». وهذا هو قلب التصوف.

قال الإمام الغزالي: «عِلْمُ الْآخِرَةِ وَطَرِيقَ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ هُوَ عِلْمُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَنْشَأَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عِلْماً آخَرَ سَمَّوْهُ عِلْمَ التَّصَوُّفِ». — إحياء علوم الدين (١/١٩)

٣ السلف الأول: أهل الصفة والزهاد الأوائل

أول نموذج للتصوف في الإسلام هم أهل الصفة — فقراء الصحابة الذين كانوا يلازمون المسجد النبوي مشغولين بالعبادة والذكر، لا يملكون متاع الدنيا، متجردين لله. وهم السلف الأول للصوفية بلا نزاع.

وبعدهم جاء التابعون كالحسن البصري وسفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، وهم أعلام الزهد والتصوف.

الاسم اصطلاح لا مشاحة فيه: أسماء العلوم كلها مستحدثة. فـ (علم النحو) لم يكن معروفاً في العصر النبوي، ولا (علم الجرح والتعديل)، ولا (أصول الفقه). فالتصوف كذلك: جوهره تزكية النفس (أصل قرآني)، وعماده الإحسان (أصل نبوي)، واسمه اصطلاح حادث لا مشاحة فيه.

قد يُقال: التصوف أُخذ من الفلسفة الهندية أو النصرانية!

الجواب: هذا كذب تاريخي محض. التصوف السني مبني على مصادر الشريعة الإسلامية حصراً. والصوفية أنفسهم شددوا على ضرورة التزام الكتاب والسنة، وقالوا: كل حال لا يسنده كتاب وسنة فهو باطل.

٤ النظر العقلي: العبرة بالحقائق لا بالأسماء

إذا كان التصوف يعني: صدق التوكل، مراقبة الله، إخلاص العمل، التخلق بالأخلاق النبوية، محبة الله ورسوله، الزهد في الحرام — فهل هذه المعاني بدعة مذمومة؟

إن إنكار التصوف بسبب اسمه فقط هو جمود على الظواهر. ولو سلكنا هذا المسلك لأنكرنا علوم الإسلام كلها لأن أسماءها لم تكن معروفة في القرن الأول.

قال ابن خلدون في مقدمته: «هَذَا العِلْمُ مِنَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْحَادِثَةِ فِي الْمِلَّةِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ طَرِيقَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَمْ تَزَلْ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْهِدَايَةِ». — مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٧)
الموقف الصحيح والخلاصة
  • التصوف السني هو علم تزكية النفس الذي جذوره في القرآن والسنة
  • أهل الصفة والزهاد الأوائل هم السلف الصالح للصوفية
  • الاسم اصطلاح حادث لمعنى قديم، ولا مشاحة في الاصطلاح
  • إنكار التصوف جملة هو إنكار للمقام الثالث من الدين (الإحسان) الذي هو لب الإسلام وروحه
توجيه عملي: كيف ترد على هذه الشبهة في ثلاث جمل؟
«التصوف ليس ديناً جديداً، بل هو علم تزكية النفس الذي أمر به القرآن: (قد أفلح من زكاها). وأهل الصفة هم أول الصوفية. وإنكار التصوف لاسمه فقط هو كإنكار علم النحو وأصول الفقه لأن أسماءها لم تكن في عصر النبوة، والمشاحة في الاصطلاح لا تنبغي.»
×