شبهة أن الأشاعرة ينفون صفات الله (معطلة)
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام الأشاعرة بنفي الصفات الإلهية، أو ما يُعرف بالتعطيل، بدعوى أنهم إذا تأولوا اليد بمعنى القدرة، والوجه بمعنى الذات، والاستواء بمعنى الاستيلاء، فإنما يفرغون ذات الله من معاني الكمال ويتشبهون بالجهمية الذين أنكروا الصفات جملة.
الاقتصاد في الاعتقاد للغزالييقول الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: ١١]. هذه الآية جمعت بين نفي المماثلة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وإثبات الصفات (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وهذا هو عين مذهب الأشاعرة: إثبات الصفات مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. فالسمع عندهم ليس كسمع المخلوقين، والبصر ليس كبصرهم.
فالأشاعرة لم يعطلوا السمع والبصر، بل أثبتوهما لله على الوجه اللائق به. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: «إن لله علماً وقدرة وحياة وسمعاً وبصراً وإرادة وكلاماً، وهذه الصفات قديمة قائمة بذاته، لا نقول إنها هو ولا إنها غيره». فهل هذا كلام معطل؟! إنه عين إثبات الصفات مع تنزيهها عن مشابهة صفات المخلوقين.
تأويل اليد بالقدرة ليس تعطيلاً، بل هو إثبات للمعنى مع تنزيه الله عن الجوارح. فاليد في لغة العرب تأتي بمعنى القدرة والنعمة والسلطان، كما في قوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي بقوة. والأشاعرة حين يؤولون اليد بالقدرة إنما يختارون معنى لغة ثابتاً لا يحوج إلى إثبات جارحة لله، وهذا من كمال التنزيه لا من التعطيل.
قال النبي ﷺ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (رواه البخاري). والنبي ﷺ أفضل من يونس بلا شك عند جميع الأمة. لكنه نفى التفصيل عن نفسه ليبين أن التفاضل عند الله ليس كتفاضل الناس. وهذا شبيه بنفي المماثلة في حق الله: فهو نفي للتفضيل بمعنى أن التفضيل الحقيقي ليس كتفضيل البشر، لا أنه نفي لأصل الفضل.
وكذلك الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ» (رواه مسلم). فهذا الحديث ينفي (فوقية المكان) لأن قوله (فليس فوقك شيء) يتعارض مع إثبات جهة الفوق لله. فالأشاعرة يتمسكون به وبأمثاله في نفي المكان والجهة عن الله.
نحن نؤمن بعلو الله المطلق، لكن العلو ليس علو مكان وجهة. قال الله: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) والعلو هنا علو قدر وقهر لا علو مكان. والدليل: أنه لو كان العلو مكانياً لكان ما فوق العرش أعلى من الله، وهذا باطل. ولو كان علو الله مكانياً لكان لله حدود ينتهي إليها، وهذا تشبيه للمخلوقات. فإثبات العلو المعنوي هو عين التنزيه.
قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة): «إن لله وجهاً بلا كيف، ويدين بلا كيف، واستواء بلا كيف». فهذه العبارة لو قالها إمام من أئمة السلف لوجدت من يقبلها. فالأشعري يثبت الوجه واليد والاستواء لكنه ينفي عنها الكيفية والتشبيه. أليس هذا هو نفس قول الإمام مالك: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»؟!
وأئمة المذهب الأشعري كالباقلاني والجويني والغزالي والرازي كلهم أثبتوا الصفات السبع الذاتية (العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، الحياة) بل وأثبتوا الصفات الفعلية الخبرية كالاستواء والمجيء والوجه واليدين لكن بعد تأويلها أو تفويض معناها الحسي. فأي تعطيل في هذا؟ إنما التعطيل الحقيقي هو تعطيل الجهمية الذين قالوا: لا يد لله، لا سمع لله، لا بصر لله، لا كلام لله.
الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية (الوجه، اليد، العين، الساق، إلخ) لكنهم يختلفون في طريقة إثباتها. منهم من يؤولها (كالأكثرين) ومنهم من يفوض معناها (كالمتقدمين). فليس هناك من الأشاعرة من أنكر ورود هذه الصفات أو نفاها جملة. فالقول بأنهم معطلة جهل بمذهبهم وتاريخهم العقدي.
التعطيل على ثلاثة أنواع: تعطيل الجهمية (نفي الصفات جملة)، تعطيل المشركين (نفي الخالق أصلاً)، وتعطيل المبتدعة (نفي بعض الصفات دون بعض). أما الأشاعرة فلم يعطلوا شيئاً من الصفات بل أثبتوا جميع ما ثبت في الكتاب والسنة لكن على الوجه اللائق بالله. فإثبات اليد لله مع نفي الجارحية ليس تعطيلاً، بل هو تنزيه.
فالمجسم يثبت اليد جارحة ويقول (بلا كيف) متناقضاً لأن الجارحية كيف بذاتها. والمعطل (الجهمي) ينفي اليد بالكلية. أما الأشعري فيثبت اليد صفة حقيقية لله لكنه يؤولها بالقدرة أو يثبتها بلا تشبيه نافياً عنها معنى الجارحة. وأي الفرقين أشبه بالحق؟ الذي يوافق ما دلت عليه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مع إثبات الصفات.
بل يبقى لها معنى حقيقي. نحن نثبت لله يداً لكن لا نعرف كيفيتها. ومعلوم أن (اليد) في لغة العرب تأتي بمعنى (القدرة) والنعمة والسلطان، وهذه معان حقيقية لا مجازية بالمعنى الاصطلاحي الحادث. فنحن نثبت لله يداً بمعنى قدرة تليق بجلاله، وهذا أولى من إثبات يد جارحة تشبه أيدي المخلوقين. فأي المعنيين أولى بالله وأليق بعظمته؟