الرد على شبهة تحريم التبرك بآثار ومقامات الصالحين
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
الزعم بأن مسح آثار الصالحين وتقبيل مقاماتهم والبركة ببعضهم هو نوع من الوثنية وعبادة القبور، وأن هذا لم يرد في الكتاب والسنة بإجماع.
مصدر الشبهة: الوهابية السلفية وطوائف السلفية المعاصرةفي قصة يوسف عليه السلام ما يدحض هذه الشبهة ادّعاءً وإجماعاً، فقد قال الله تعالى:(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ). فالقميص هنا صار أداة للبركة والشفاء، فأخرج الله به يعقوب عليه السلام من العمي والحزن، والقميص في حقيقته قطعة قماش لا ينفع ولا يضر بذاته.
فهذا دليل قاطع على جواز التبرك بالمسميات المادية، ولو كان التبرك بالجمادات شركاً أو حراماً لما أمر الله نبيه يوسف عليه السلام به، ولما كان في إرساله ابتلاء ليعقوب عليه السلام بالبركة والشفاء. بل هو دليل على أن الله يُودع البركة في بعض المسميات تكريماً لأوليائه ورحمةً بالعباد.
من قال هذا فقد اعترف بأن التبرك بالأثر ممكن أن يكون صحيحاً لأن الله يُодع البركة فيه، فإن المعجزة ليست في القميص بذاته بل في إرادة الله أن يجعل البركة فيه. فكذلك آثار الصالحين لا تُبرك لأنها قوية بذاتها، بل لأن الله يُقدّر البركة فيها إكراماً لأوليائه، كما أكرمه في قميص يوسف.
في صحيح البخاري عن أبي جحيفة الوائلي قال: خرجت مع النبي ﷺ إلى الظهر، فصلى بنا، ثم قام فانصرف، فقام الناس فجعلوا يأخذون يدي النبي ﷺ فيمسحون بها وجوههم. قال: فأخذت يده فوضعتها على وجهي فوجدت بردها وطيبها كأنه الطيب أحسن الطيب.
كما في صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية أن رجلاً من المشركين تنخم نخامة في حجر من الأحجار فأخذها أحد الصحابة فدلك بها وجهه وجلده، فلما رأى النبي ﷺ ذلك لم ينكر عليه. وكل هذا يدل على جواز التبرك بآثار النبي ﷺ ومن قبله من الصالحين.
هذا فرق لا دليل عليه من الشرع، فالنبي ﷺ هو النبي بعد مماته كما كان حياً، وقوله ﷺ: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) يدل على أن زيارة قبره والبركة به ثابتة بعد مماته. كما أن حديث الحديبية يدل على أن الصحابة تبركوا بنخامة النبي ﷺ لا بيده فحسب، والنخامة أثر مادي لا يحول دون التبرك به.
نقل الإمام الخطيب البغدادي بسند صحيح أن الإمام الشافعي قال: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم، فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله الحاجة فما تبعد حتى تقضى). وهذا نص صريح في جواز التبرك بآثار الصالحين والتوسل بهم.
كما أن الإمام مالك رحمه الله تبرك بالمنبر الذي كان يجلس عليه النبي ﷺ، فكان ينزعه لمن شاء منه ليجلس عليه. وروى ابن عبد البر عن جمهور أهل المدينة أنهم تبركوا بالمنبر والمقام والبيت. وكل هذا يدل على أن إجماع السلف على جواز التبرك بالآثار ثابت.
هذا القول لا أصل له في كتب التراجم ولا في مصادر الشافعية. فالأئمة الأربعة جميعاً لم يُنقل عنهم ندم على هذا المنهج، بل ظلوا عليه حتى وفاتهم. ومن ادّعى الندم فقد افتراى على الأقدمين، والقرآن ينهى عن اتباع ما ليس له به علم. ونقل الإمام النووي صراحة في شرح مسلم جواز التبرك بالآثار.
التفريق بين التبرك والتنصيب هو جوهر هذه المسألة، فالتنصيب هو اعتقاد أن الصنم أو الجماد ينفع ويضر من تلقاء نفسه، وهذا شرك أكبر يُخرج من الملة. أما التبرك فهو طلب الزيادة من الخير الذي أودعه الله تعالى في أوليائه، والاعتراف بأن البركة كلها من الله تعالى وأن الأثر ليس إلا سبباً ظاهرياً بإرادة الله.
فكما نتبرك بتقبيل الحجر الأسود ومسّ المصحف ورمي الجمرات، نتبرك بآثار من حملوا لواء المصحف والعلم والإيمان. فكل هذا طلب للبركة من الله عبر أسباب شرعية ثابتة، لا اعتراف بالإلٰهية في غير الله تعالى.
هذا الزعم باطل لأن التبرك بالآثار ورد في القرآن في قصة يوسف عليه السلام وورد في السنة في حديث أبي جحيفة وحديث الحديبية وحديث زيارة القبور، ونقل الشافعي ومالك والبخاري وغيرهم إجماع السلف عليه. فكيف يُقال إنه بدعة وهو ثابت في الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟