الرد على شبهة اتخاذ شيخ للتربية والمبايعة
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
الزعم بأن اتخاذ الشيخ في الطريقة الصوفية بدعة محدثة، وأن المبايعة لا تكون إلا للحاكم أو الخليفة، وأن إعطاء العهد للشيخ هو ابتداع في الدين لم يعرفه السلف، وأن طاعة الشيخ تؤدي إلى التعلق بغير الله وتقديم رأيه على الكتاب والسنة.
— شبهة يرددها بعض المنتسبين للتيار السلفي المحافظالقرآن الكريم لم يترك المسلم سدى في طريقه إلى الله، بل أرشده إلى ضرورة الصحبة الصالحة واتباع سبيل من سبق إلى الإيمان والإنابة. فالله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتبع سبيل من أناب إليه، والأمر موجه للأمة من بعده. وكذلك أمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين، والصادقون هم أهل الطريق الصادق في إيمانهم وسلوكهم.
هذه النصوص القرآنية تضع الأساس الشرعي للتلقي عن أهل الإخلاص والصدق، وهم مشايخ التربية في كل عصر. فالشيخ المربي ليس بديلاً عن النبي ولا عن الكتاب، بل هو دليل على الطريق، يرشد المريد إلى فهم الشريعة وتطبيقها وتزكية نفسه وفق منهاج النبوة.
اتباع السبيل لا يمكن تحقيقه إلا بمعرفة السالكين فيه، وهذه المعرفة تقتضي الصحبة والملازمة، كما قال ابن مسعود: (لو تعلمون ذنوبي ما وطئت عقبي). الصحبة هي الآلية العملية التي بها يتحقق الامتثال لأمر (وكونوا مع الصادقين). والشيخ المربي ليس إلا نموذجاً حياً للصادقين، يعلم المريد كيف يسير في الطريق.
السنة النبوية زاخرة بأمثلة البيوعات التي لم تكن بيعة حكم أو سياسة، بل كانت بيعة تزكية والتزام أخلاقي. بايع النبي ﷺ الصحابة على الهجرة (بيعة العقبة الأولى والثانية)، وهي بيعة على تحمل الأذى في سبيل الله. وبايع النساء على ألا يشركن بالله ولا يسرقن ولا يزنين (سورة الممتحنة). وبايع عبد الرحمن بن عوف على أن لا يسأل الناس شيئاً، وهي بيعة تربية على الزهد والتعفف.
هذه السنن النبوية تدل على أن البيعة أوسع من أن تكون مجرد عقد سياسي مع الحاكم. البيعة عهد مع الله على طاعته والتزام شرعه وتزكية النفس، وهذا هو عين ما يفعله الصوفية في مبايعة الشيخ.
النبي ﷺ هو المعلم الأول والمربي الأعظم، لكن وظيفة التربية لم تنته بوفاته ﷺ، بل ورثها العلماء والمشايخ. فإن كانت الصحابة يتبايعون على التزام أخلاقي مع النبي، فمن باب أولى أن يتعاهد المسلمون فيما بينهم على الالتزام بالطريق إلى الله. والبيعة للشيخ إنما هي وثيقة توبة والتزام بالمنهج النبوي، والواسطة فيها الشيخ ليس طرفاً معبوداً بل دليلاً.
أجمع علماء التصوف والسلوك عبر القرون على أن للمريد لا بد له من شيخ بصير يرشده ويدله على طريق التزكية. وقد نص على ذلك أئمة كبار كأبي حامد الغزالي وأبي القاسم القشيري وشهاب الدين السهروردي وعبد القادر الجيلاني. وقالوا إن أمراض القلوب (كالعجب والرياء والكبر والسمعة) لا يكشفها للمريد إلا شيخ خبير، لأن المريد ينظر إلى نفسه فيراها طاهرة، بينما الشيخ الخبير يرى أدواءها الخفية.
الأمر ليس قول الغزالي وحده، بل هو إجماع عملي من علماء الأمة عبر القرون. حتى ابن تيمية رحمه الله مع تحفظه على بعض ممارسات الصوفية، كان يقر بصحبة المشايخ للتربية، وأثنى على مشايخ كالشيخ عبد القادر الجيلاني. ومن أنكر ضرورة الشيخ المربي مع وجود الأمراض القلبية الخفية، فكأنه يقرأ كتب الطب والأدوية ظاناً أنها تكفي عن زيارة الطبيب.
من المقرر في كل العلوم والمهن أن التخصص يتطلب معلماً خبيراً. فطالب الطب لا يكتفي بقراءة كتاب (تشريح الجسم) ليعالج المرضى، بل يقصد طبيباً ممارساً يتعلم على يديه فن التشخيص والعلاج. وكذلك طالب الهندسة يقصد مهندساً خبيراً. فكيف بمن أراد أن يعالج أمراض قلبه من الحسد والرياء والعجب والكبر والغل والسمعة؟ هذه أمراض خفية لا ترى بالعين المجردة، ولا تشخص بقراءة الكتب وحدها.
القلب كالجسد، له أمراضه وأدويتها، ومتى ما أنكرنا وجود طبيب القلوب (الشيخ المربي) فإننا نوقع المريد في خطرين عظيمين: إما الإعجاب بالنفس والغرور، أو اليأس والقنوط من صلاح قلبه. وكثير من المنتكسين في طريق السلوك إنما انكسروا لأنهم ساروا بغير دليل.
هذا صحيح، والغلو مذموم في أي اتجاه كان، لكن إساءة بعض المنتسبين لا تلغي أصل المشروعية. الصوفية السنّيون ينصون على أن الشيخ ليس بمعصوم، بل هو مجتهد قد يخطئ وقد يصيب، والمعيار هو الكتاب والسنة، فإذا خالف الشيخ الكتاب والسنة فلا طاعة له. المطلوب هو التربية والتزكية، وليس التقديس والعبودية لغير الله.