الرد على شبهة الشرك في التوسل والاستغاثة بالأولياء
هل طلب الدعاء من الصالحين الحي والميت شرك بالله؟ أم هو من الوسائل المشروعة المجمع عليها؟
هل طلب الدعاء من الصالحين الحي والميت شرك بالله؟ أم هو من الوسائل المشروعة المجمع عليها؟
يَزْعُمُ بَعْضُ المُنْكِرِينَ أَنَّ طَلَبَ الدُّعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ — أَحْيَاءً كَانُوا أَوْ أَمْوَاتاً — وَالتَّوَسُّلَ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَالاسْتِغَاثَةَ بِهِمْ هُوَ شِرْكٌ بِاللهِ وَعِبَادَةٌ لِغَيْرِهِ، قِيَاساً لَهُ عَلَى دُعَاءِ المُشْرِكِينَ لِلأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ).
— تنتشر هذه الشبهة بكثافة في خطابات التكفير والتبديع المعاصرةهذا هو مفتاح المسألة: «الدعاء» في لغة الشرع له معنيان: دعاء عبادة (وهو التوجه لله بالخضوع والرجاء مع اعتقاد أنه الخالق الرازق المدبر) ودعاء سبب (وهو طلب المساعدة من مخلوق فيما يقدر عليه).
فالمسلم حين يقول: «يا فلان ادع الله لي» أو «اللهم إني أتوسل إليك بنبيك»، لا يعتقد أن فلاناً أو النبي يخلق أو يرزق أو يدبر الأمر، بل يعلم أن الله هو الفاعل الحقيقي، وأن النبي أو الولي مجرد سبب وشفيع. وهذا كاستعانة الجندي بقائده: يطلب منه الشفاعة عند الملك، لكن الجميع يعلمون أن الملك هو صاحب الأمر والنهي.
القرآن الكريم يقر المشروعية في أصلها:
آية الاستغفار: قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) [النساء: ٦٤]. فالله أمرهم بالمجيء إلى النبي ﷺ لطلب الاستغفار منه، وأخبر أن هذا سبب للمغفرة. ولو كان هذا شركاً أو معصية لما أمر الله به.
الجواب: الآية مطلقة، والسبب فيها عام (ظلموا أنفسهم)، ولم تذكر حياة النبي ﷺ شرطاً. وقد ثبت أن الصحابة بعد وفاته ﷺ قالوا: «يا رسول الله! استسقِ الله لأمتك» عند قبره (رواه البيهقي بإسناد صحيح). والنبي ﷺ حي في قبره حياة برزخية. ولأن الدعاء من الميت على قبره يجوز كالحي، بدليل أن النبي ﷺ أمر الصحابة أن يدعوا لأهل البقيع وهم أموات.
حديث الأعمى: عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال النبي ﷺ: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت». فقال: ادعه. فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي».
في هذا الحديث أدق صور التوسل: نداء النبي ﷺ بعد مماته (يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي)، والطلب منه كوسيلة للشفاعة عند الله. والحديث صححه الترمذي والطبراني والحاكم والذهبي وابن حجر.
توسل الصحابة به ﷺ بعد وفاته: ثبت في البخاري أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس بن عبد المطلب في الاستسقاء، وقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا». وهذا دليل أن التوسل بالنبي ﷺ كان معروفاً عندهم بعد وفاته.
لم يختلف الأئمة الأربعة في جواز التوسل، والنصوص عنهم واضحة:
وألف كبار العلماء رسائل خاصة في إثبات التوسل: السيوطي (خلاصة الكلام في التوسل بخير الأنام)، ابن حجر الهيتمي (الإمداد في التوسل بالعباد)، ابن تيمية نفسه أجاز التوسل بالنبي ﷺ (مجموع الفتاوى ١/٣٤٧) وإن كان خالف في مشروعيته بعد الموت.
الجواب: التوسل ليس عبادة للنبي، بل اعتراف بأن الله قد أكرم نبيه وجعله سبباً للهداية والرحمة، وطلب الدعاء أو الشفاعة من النبي أو الولي هو استعانة بمخلوق حي أو حي برزخياً على أمر يقدر عليه وهو الدعاء. وأنت تستعين بأخيك الحي في الدنيا أن يدعو لك، فهل هذا شرك؟ وإذا استعنت بطبيب (سبب) للشفاء هل تعبد الطبيب؟
المنطق السليم يقرر أن التوسل ليس من باب العبادة بل من باب السببية:
المسلم حين يتوسل يعتقد يقيناً أن الله وحده هو الخالق الرازق النافع الضار، وأن النبي أو الولي مجرد سبب وشفيع. فهذا لا يختلف عن:
فإن قيل: الدعاء عبادة لا تصرف لغير الله، قلنا: نحن نطلب الدعاء من المخلوق لا نعبده. فرق بين أن تقول «يا عبد الله ادع لي» وبين أن تقول «يا عبد الله أعطني المطر». الأول تسبب إلى الله، والثاني شرك في الربوبية.