شبهة أن التأويل هو تحريف للقرآن
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
شرح مفصل مدعم بأدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة لدحض الشبهات.
اتهام الأشاعرة أنهم قوم يحرفون الكلم عن مواضعه ويتلاعبون بنصوص الوحي، وأن تأويلهم للصفات هو عين التبديل والتحريف الذي نزلت به آيات الذم في حق اليهود، وأنهم بذلك يخرجون عن مذهب السلف الصالح ويلحقون بأهل الأهواء.
الإتقان في علوم القرآن للسيوطيقال الله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: ٥٤]. اختلف السلف في معنى الاستواء على قولين: قول بالتفويض (إمرار اللفظ مع اعتقاد تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين)، وقول بالتأويل (صرف اللفظ عن الظاهر الحسي إلى معنى لائق بالله). وقد روى الإمام البخاري في صحيحه تعليقاً عن ابن عباس أنه قال: «استوى: استولى». وكذلك قال مجاهد والضحاك وغيرهم من التابعين.
فإذا كان ابن عباس (ترجمان القرآن) قد أول الاستواء بالاستيلاء، فهل يقال إن ابن عباس كان محرفاً؟ حاشا لله. بل إن تفسير الاستواء بالاستيلاء هو قول معروف عن أئمة التابعين، وهو تأويل بالمعنى اللغوي لا تحريف. قال الإمام ابن جرير الطبري: «استوى: علا وارتفع»، ولم يقل إنه جلس أو استقر كالمخلوق. وهذا هو التأويل الذي سار عليه السلف.
كون القول مرجوحاً لا يجعله تحريفاً. كثير من أئمة السلف قالوا بالاستيلاء كتفسير للاستواء، منهم ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي والفراء وابن قتيبة. وهذه أسماء من صدر الأمة لا يمكن اتهامهم بالتحريف. فالقول بترجيح أحد القولين شيء، وتكفير القول الآخر شيء آخر بالكلية.
قال النبي ﷺ: «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (رواه مسلم). قال الإمام مالك حين سئل عن هذا الحديث: «الأصابع صفة من صفات الله لا تشبه أصابع المخلوقين، والإيمان بها واجب، والكيف عنها مرفوع». فهذا تأويل إجمالي من مالك: فقد أثبت الأصابع صفة لله ونفى عنها مشابهة أصابع المخلوقين.
فالإمام مالك لم يقل: (نقرأ الحديث ولا نفسره)، بل قال: (الأصابع صفة). وهذا تفسير وتأويل إجمالي للحديث. فمن قال إن السلف كانوا يمرون الأحاديث بلا تعرض لمعانيها فقد غلط عليهم. بل كانوا يثبتون المعنى الإجمالي اللائق بالله ويفوضون الكيفية والكنه. وهذا هو عين ما فعله الأشاعرة فيما بعد.
الظاهر الحسي (أن لله أصابع كأصابع البشر) هو عين التشبيه الذي نفت عنه الآيات. ومذهب السلف إثبات الصفة مع نفي الكيفية. فإثبات (أصابع) بلا كيف يعني أننا نقطع بأنها ليست كأصابعنا. وهذا بحد ذاته تأويل إجمالي ناف للتشبيه. فمن فهم من (أصابع الرحمن) أنها جوارح فقد خالف السلف لا وافقهم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». هذه الكلمة الوجيزة هي خلاصة منهج السلف في الصفات. فقوله (على مراد الله) يعني أننا نثبت اللفظ ونفوض الكيف ونعتقد أن المعنى الحقيقي يليق بالله لا يشبه خلقه.
وهذا هو عين مذهب الأشاعرة: إثبات النصوص على مراد الله ومراد رسوله، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين. فكيف يقال إن الأشاعرة يحرفون الكلم عن مواضعه وهم يتبعون هذا المنهج الشافعي الأصيل؟! قال الإمام أبو منصور البغدادي: «الأشاعرة على مذهب الشافعي في الصفات، وهم أتباعه في الأصول والفروع». فمن اتهمهم بالتحريف فقد اتهم الشافعي نفسه.
قوله (على مراد الله) دليل على أنه يقصد غير الظاهر الحسي المتبادر إلى أذهان المشبهة. فلو كان الظاهر الحسي هو مراد الله لما احتاج أن يقول (على مراد الله)، بل كان يقول (على ظاهرها). والإمام الشافعي نفسه قال في كتابه (الرسالة) في باب المجاز: «العربية لسان المجاز»، فأثبت المجاز في القرآن، وهذا تأويل.
إذا كان التأويل تحريفاً، فكل مفسري القرآن محرفون! لأنهم جميعاً أولوا آيات كثيرة على غير ظاهرها الحسي. فتأويل (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) بأهلها تأويل. وتأويل (يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ) بميله للسقوط تأويل. وتأويل (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً) بتأكيد الكفر والنفاق لا بزيادتهما الحسية تأويل. وتأويل (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) باصدع بأمر الله لا بالصدع الحقيقي للجماجم تأويل.
فالتأويل في لغة العرب والتفسير لا يعني تحريف النص، بل يعني معرفة مراد الله من النص بعد استيفاء آلات الاجتهاد. والفرق بين التأويل والتحريف كالفرق بين الطب والدجل: التأويل له أدواته وضوابطه ومناهجه، والتحريف ليس له إلا الهوى والتشهي. فما فعله أئمة الأشاعرة هو تأويل بالضوابط لا تحريف بالتشهي.
كل علم يمكن أن يُستعمل في الحق والباطل. فالعلم نفسه قد يكون زندقة لبعض الملاحدة، وليس العلم هو المشكلة. التأويل له ضوابط محكمة تمنع العبث: الدليل القاطع، عدم مخالفة النصوص المحكمة، موافقة لسان العرب، واستقامة المعنى على أصول الشريعة. فمن التزم هذه الضوابط كان تأويله محموداً، ومن خالفها كان مذموماً. وهذا هو منهج أهل السنة.