تفكيك فكرة الاستقلال بالفهم عن الأئمة المجتهدين.
كثيراً ما نسمع من بعض المعاصرين عبارة براقة في ظاهرها، مهلكة في باطنها: "أبو حنيفة رجل ونحن رجال، لماذا نقلدهم ولا نستنبط من الكتاب والسنة بأنفسنا؟"، هذه العبارة التي نُسبت لبعض التابعين في سياق خاص، يتم بترها وتوظيفها اليوم لتمزيق المرجعية الفقهية وفتح باب العبث بالشريعة لكل من هب ودب.
المساواة في "الذكورة" لا تعني المساواة في "الرتبة العلمية والتقوى"، الأئمة الأربعة كانوا في عصور الفصاحة العربية الصافية، وتلقوا العلم عن التابعين، وحفظوا مئات الآلاف من الأحاديث بأسانيدها ورجالها، وكانوا مضرب المثل في الورع والتقوى التي تورث النور الرباني في الفهم.
هل يُعقل أن يقارن طالب علم في العصر الحديث، درس بضعة كتيبات معتمدة على الترجمات والشروحات المتأخرة، بعملاق كالإمام الشافعي الذي قال عنه الأصمعي (إمام اللغة): "صححت أشعار الهذليين على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس"؟!
الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، وفي الطب والهندسة لا أحد يقول "الطبيب رجل وأنا رجل سأعالج نفسي"، بل يُسلم المريض جسده للطبيب المتخصص، فكيف يُستخف بالدين ليصبح مرتعاً لكل من يقرأ حديثاً في كتاب ولا يعرف ناسخه من منسوخه، ولا عامه من خاصه، ولا مطلقه من مقيده؟
من ادعى مساواة أئمة السلف في الفهم فقد اغتر بنفسه، تقليد الأئمة المجتهدين ليس إهانة للعقل، بل هو احترام للتخصص وتقدير لمنزلة العلم وأهله الذين أفنوا أعمارهم لتمهيد الطريق لنا.