تأصيل شرعي لعهد الصحبة والسلوك.
يثير بعض المنكرين شبهات حول مصطلح "البيعة" المأخوذ في الطرق الصوفية، ظناً منهم أنها بيعة إمارة وسياسة تنازع الحاكم، وهذا جهل عظيم! البيعة في التصوف هي بيعة "العهد على الطاعة في المعروف، والتوبة، والمجاهدة"، هي عهد بين المريد وشيخه على ترك المعاصي والالتزام بالأوراد وإصلاح النفس.
كان النبي ﷺ يبايع الصحابة بيعات مختلفة بحسب الحال والمقام، ولم تكن كلها بيعات للحكم العسكري، فقد بايعهم "بيعة العقبة" على نصرة الإسلام، وبايع النساء على ترك كبائر الذنوب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...).
والأهم من ذلك بيعته لبعض الصحابة على أعمال مخصوصة في السلوك؛ كحديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم: "كنا عند رسول الله ﷺ... فبايعناه، فقال: تبايعون على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا... وأسر كلمة خفية: ولا تسألوا الناس شيئا"، هذه بيعة تربوية بحتة على الاستغناء والتوكل!
أخذ العلماء والمشايخ هذا العهد من مريديهم ليكون دافعاً وقيداً يحمي المريد من التفلت، عندما يضع المريد يده في يد شيخه ويعاهده الله على التوبة وترك المعاصي والمداومة على ذكر مخصوص، فإن هذا يخلق حافزاً إيمانياً قوياً للالتزام.
بيعة المشايخ هي عقد تربوي وروحي، أصله من السنة المطهرة في مبايعة النبي أصحابه على التوبة والذكر والأخلاق الحميدة، هي خطوة جدية في طريق السلوك إلى الله.